السيد محمد تقي المدرسي

203

المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)

بين الغرائز والهوى : لكل شيء من أشياء الكون جانبان : جانب جامع ، وجانب فارق . فالشجر والحجر يجتمعان في الوجود ويختلفان في أن الشجر ينمو والحجر لا ينمو . وكذلك الغرائز لها جانب يجمعها كلها ، وجوانب تفرقها عن بعضها . فغريزة الجنس تجتمع مع غريزة الجوع في إعطائهما المتعة واللذة وتفترقان في أن الغريزة الأولى إفراز ، والثانية إحراز ، الأولى حاجة مؤقتة والثانية دائمة . بيد أن السؤال الكبير الذي يرتسم أمام الفلاسفة والعلماء معا ، هو : البحث عن جذر كل غريزة في نفس الإنسان ، وهل ان لكل واحدة منها جذرا مختلفا عن الأخرى ، أم أن الغرائز تلتقي عند جذر واحد ؟ مثلا ، نحن نعلم أن لشهوة الطعام والشراب جذرا واحدا ، فهل ان نفس الجذر يكمن في شهوة الجنس وحب الأولاد ؟ إن النظر العميق يهدي إلى وحدة الغرائز السيكولوجية ، بمعنى أنها نابعة من جذر واحد هو حب الذات ، ورجاء الخير له والخشية عليه من الشر . بيد أن هذه الوحدة السيكولوجية لا تتنافى مع الاختلاف الفسيولوجي والبيولوجي لها ، بل نستطيع القول إن كافة الشهوات ، تعود إلى غريزة واحدة ، فهناك مثلا ، حب السيطرة ، وطلب الشهوة ، والحياء من الناس ، واتباع العظماء ، واتباع الوالدين ، والأقربين . . . إنها تعود إلى ذات الغريزة الواحدة ، إذ ما من عمل غريزي يقوم به البشر ، إلا بسبب اعتقاده بأنه يقوم ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، بإشباع إحدى غرائزه الأولية . فمثلا اتباع السلطان ، قد يكون طمعا في ماله مما يوفر بالتالي للفرد الطعام والجنس و . . و . . وقد يكون خوفا من عقابه ، بمعنى ان عدم هذا الاتباع يقضي